الأمير المفقود
في اليوم الثامن من شهر مايو عام 1908 توفى الأمير
"روى" مهراجاً مقاطعة بهوال بولاية البنغال الهندية، فاعلنت أسرته
المالكة حدادها عليه، واتخذ أخوه وأرملته وشقيقها الاستعدادات لحفلة إحراق جثته – طبقاً
لتقاليد الأسر العريقة في الهند – وتحددت الساعة الثامنة من مساء اليوم نفسه لهذا
الاحتفال التقليدي. وفي الموعد المحدد، سار مئات من المشيعين الباكين وراء جثمان
الأمير الشاب في شوارع مدينة دار جيلنج، حتى بلغوا ساحة الحريق حيث نصبت منصة
الوقود التي توضع فوقها الجثة.
وكان الأمير الشاب محبوباً من رعاياه – برغم طيشه
وإسرافه في اللهو – فانخرط الجميع في بكاء حار حين تقدم حاملو المشاعل لإشعال
النيران في منصة الوقود التي تحمل الجثة .. وفجأة فتحت السماء أفواهها عن مطر
غزير، فهرع الناس إلى الأشجار والمباني لائذين بها من هذا السيل المنهمر .. ثم كف
هطول الأمطار بعد ساعتين فعاد المشيعون لإتمام الاحتفال، ولكن شد ما كانت مفاجأتهم
وفزعهم حين وجدوا منصة الوقود خالية من جثة المهراجا الشاب ..
وتكونت في الحال جماعات للبحث، أخذت – خلال الظلام وعلى
أضواء المشاعل – تفتش كل شيء: أكوام الوقود وساحة الحريق وما جاورها من الغابات،
فلم تعثر للجثة المختفية على أثر. وفي الصباح لم يكن الناس يتحدثون إلا بإختفاء
جثة الأمير هذا الإختفاء الغامض، ضاربين في تعليله أخماساً لأسداس ..
ولكن أعضاء الأسرة المالكة أعلنوا في أصيل اليوم التالي
أنهم عثروا على الجقة المختفية، وأن الاحتفال بحرقها سيتم في الثامنة مساء، وهكذا
سار المشيعون مرة أخرى وراء النعش، حتى إذا بلغوا ساحة الحريق، وضعت جثة ملفوفة في
أثواب من الحرير على منصة الوقود، وأشعل الوقادون النيران، وتم أحراق الجثة هذه
المرة بغير أن .. تمطر السماء!
ولما انقضت فترة الحداد، استدعت "بيهابيتي
ديفي" أرملة الأمير الشابة شقيقها لإدارة أملاك الأمير الراحل، التي كانت تدر
نصف مليون ريال في العام. على أنه – برغم الثقافة الغربية التي كان يفخر بها – جلب
على نفسه بغض سكان المقاطعة ونفورهم منه، بغطرسته واستبداده.
ودامت هذه الحال اثنتي عشرة سنة، ثم إذا بفقير هندوسي من
طائفة "السنيازين" الذين يعبدون النار ويرتدون جلود السباع ويلطخون
أجسادهم وشعورهم الملبدة بالرماد ويقيمون في كهوف تحت الأرض، إذا بواحد من هؤلاء يسير
في أحد شوارع بهوال، فيراه كناس الشارع، فينظر إليه برهة وهو يطرف بعينيه كأنما لا
يريد أن يصدق نظره، ثم إذا هو ينطلق صائحاً بأن المهراجا روى – المتوفي – قد بعث
حياً من جديد ...
وتجمع كثير من سكان المدينة حول الرجل نصف العاري الملبد
الشعر دهشين يمطرونه بالأسئلة والاستفسارات، ولكنه ظل صامتاً وقال بعض أهل
المدينة:
-
أنه الأمير روى نفسه، فليس في "بهوال" كلها
رجل فاتح البشرة أحمر الشعر عسلي العينين مثله ..
وقال آخرون مستهزئين:
-
كيف يكون هذا أميرنا وقد رأينا جثته تحترق؟
فرد عليهم أناس قائلين:
-
حقا لقد رأيتم جثة الأمير؟ .. ألا تذكرون أن جثة الأمير
اختفت من فوق منصة الوقود في اليوم السابق ؟!
كل هذا والرجل الغريب معتصم بالصمت المطبق.
وانقسم الناس في المدينة فريقين: فريق يذكر أن الرجل
الغريب هو الأمير "روى" مهراجا بهوال الشرعي، والآخر يسفه هذا الزعم.
أما شقيق أرملة الأمير فقد أرسل إلى حكومة الهند المركزية يتهم الرجل الغريب
بإدعاء الإمارة على بهوال منتحلاً اسم الأمير روى المتوفي، وأرفق بعريضة الاتهام
"وثيقة" بوفاة الأمير روي وحرق جثته، مع شهادة وفاة موقع عليها من كبير
الأطباء. ولكن تاريخ هذه الشهادة كان في يوليه عام 1908، أي بعد
"الوفاة" بشهرين .. واعتمدت الحكومة المركزية شهادة الوفاة ووثيقة إحراق
الجثة، وأصدرت منشوراً إلى أهالي بهوال تحذرهم فيه من دفع الضرائب للرجل الغريب.
وفي خلال هذا كله كانت أم الأمير روى قد طلبت رؤية الرجل
الغريب، وقبل أن تتم المقابلة طلبت من الطبيب أن يفحص عينيها، حتى لا يزعم أحد أن
نظرها خدعها. وما كادوا يأتونها بالرجل الغريب حتى ضمته إلى صدرها باكية:
-
ابني روي .. ابني روي إن قلب الأم لا يخطئ ..
وازداد يقينها حين تحققت من علامات كانت في جسده منذ
طفولته.
أما شقيقته فقد دعته إلى قصرها وقدمت له بين أصناف
الطعام الكثيرة، ألوانا تعرف أنه كان يفضلها .. وجعلت ترقبه وهو يأكل، ثم إذا هي
تأخذه بين ذراعيها باكية من فرط السرور:
-
أخي الحبيب .. أنت أخي حقاً .. فأنت لا تزال تذكر طعامك
المفضل ولا تزال تأكله بنفس الطريقة، وتعبر عن إعجابك بنفس الكلمات ..
وبعد حديث قصير قالت له:
-
إذا لم تطالب بحقوقك رسمياً فسوف أصوم حتى الموت ..
فركب الرجل الغريب فيلاً عظيماً خرج به من قصر الأميرة
إلى المدينة في موكب رائع، وأعلن نفسه مهراجا على المقاطعة.
وبدأت في ذلك الوقت من عام 1920 أغرب قضية في التاريخ
الحديث .. فقد حضر في الجلسة الأولى، ألف شاهد نفي وإثبات، وألفا متفرج بينهم
مائتا مصور ومراسل صحفي. قال روى أنه في ليلة "وفاته" ظل راقداً على
منصة الحريق نحو ساعة والمطر ينهمر فوقه، ثم برز رجال من طائفة السنيازين من كهوف
تحت الأرض، فحملوه من فوق المنصة وعادوا به إلى كهفهم ووضعوه جنب النار التي
يعبدونها، وظلوا يبتهلون حتى أفاق من غشيته الطويلة وقد فقد ذاكرته تماماً .. وعاش
مع هؤلاء الكهنة في كهوفهم حتى ارتدت ذاكرته إليه بعد اثنتي عشرة سنة، فرأى أن
يعود إلى المقاطعة ليطالب بحقوقه ...
وانقسم الشهود فريقين .. وقالت زوجته أنها لا تصدقه، وأن
زوجها الشاب قد مات وأحرقت جثته .. ولكن محاميه قال أن موقفها هذا يرجع إلى أنها
كانت تبغض زوجها لإسرافه في شرب الخمر ومخادنة النساء، وإلى أنها تستغل مع أخيها
إيرادات الولاية بلا حسيب أو رقيب ..
وظلت القضية منظورة أمام المحاكم ستا وعشرين سنة، حتى وصلت
في عام 1946 إلى المحكمة المخصوصة العليا، فأصدرت حكماً نهائياً بأن الرجل الغريب
هو حقاً المهراجا "روى"، وأن من حقه استرداد أملاكه وإعلان نفسه أميراً
على بهوال بلا منازع ..
فهل انتهت القصة عند هذا الحد؟ لا .. فإن الأمير لم يمس
عليه المساء عقب صدور ذلك الحكم، إلا وهو مريض بالالتهاب الرئوي، ولم تشرق شمس
الصباح التالي إلا وقد كان ميتاً في الغابرين ..
وبعد ساعات من وفاته، كانت جثته – مرة أخرى – فوق منصة
الحريق، وأشعل الوقادون النار في أكوام الوقود، فما هي غير دقائق حتى كانت الجثة
رماداً .. ولم تمطر السماء هذه المرة قط.
